اسماعيل بن محمد القونوي
274
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( فإنه والأول النصرة ) أي الدفع قهرا ولو أريد التطبيق على الوجه الراجح لقيل والآية أريد بها نفي أن يندفع العذاب عن أحد بأحد من كل وجه محتمل ( فإنه إما أن يكون قهرا أو غيره والثاني إما أن يكون مجانا أو غيره والأول أن يشفع له ) وأما الدفع والاندفاع فغير داخل في المقسم إذ المقسم دفع أحد عذاب أحد لا مجرد دفعه ولا اندفاعه ومن هذا حصر المص الدفع مجانا في الشفاعة وأما الدفع بأنواع الحيل والفرار من محل المؤاخذة والتلبيس والتدليس فلا يخطر ببال العقلاء أصلا وأما النصرة وهو الدفع قهرا فمن المحتملات كيف لا وقد نقل عن بعض الكفرة ذلك روي أن أبا جهل لما سمع قوله تعالى : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [ المدثر : 30 ] قال لقريش أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم كذا قال المص هناك وهذا وأمثاله وإن صدر منهم تهكما وعنادا رد اللّه تعالى عليهم بقوله : وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] فلا إشكال بأنه لا احتمال للنصرة لأن القهر مما لا يتصور كما لا يتصور التلبس ونحوه فكما أن النصرة وجه كذلك للاحتمالات المذكورة وجوه ( والثاني إما بأداء ما كان عليه وهو أن يجزي عنه وبغيره ) فح يخطر بالبال أن المناسب أن يذكر قوله وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ [ البقرة : 48 ] مقارنا لقوله لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ [ البقرة : 48 ] لأن إعطاء الفدية قرين الجزاء وقسيمه كما أن الشفاعة قرين النصرة وقسيمها ودفعه بأن الواو لا تقتضي الترتيب فهو مبني على الاعتبار ولعل تقديم قوله وَلا يُقْبَلُ مِنْها [ البقرة : 48 ] الآية لمناسبته للجزاء والقضاء بحسب العادة وأنه لم يمكن كل منهما في ذلك اليوم وكذا إعطاء الفدية مناسب للنصرة قهرا في كل منهما بالنسبة إلى الشفاعة والقضاء والبعض حاول بيانه فقال هذا من أسلوب الترقي كأنه قيل النفس الأولى قوله : فإنه إما أن يكون قهرا الخ أي فإن دفع العذاب إما أن يكون قهرا وغلبة أو مجانا أو بأداء ما عليه من الواجب أي بإعطاء نفس الحق أو بأخذ الفدية فنفي الأول بقوله عز وجل : وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] والثاني بقوله : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [ البقرة : 48 ] والثالث بقوله : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [ البقرة : 48 ] أي لا تقضي مما عليها حقا أخلت به والرابع بقوله : وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ [ البقرة : 48 ] أقول قوله وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع العذاب أحد عن أحد من كل وجه محتمل ثم حصر محتملات الدفع في هذه الأمور الأربعة محل نظر لأن هنا وجها آخر عن الوجوه المذكورة وهو أن يدفع العذاب بالعفو من غير شفاعة شفيع والمصنف قد حصر الدفع مجانا في الشفاعة وهو منقسم قسمين وقد أخل بذكر القسم الآخر من قسميه وهو محتملات دفع العذاب قال الطيبي ما ذكره القاضي على التقسيم العقلي وأما البياني فإن الآية من أسلوب الترقي ولذلك اختار في تفسير تجزي تقضي على تغني كأنه قيل النفس الأولى غير قادرة على استخلاص صاحبها بقضاء الواجبات وتدارك التبعات لأنها مشتغلة عنها بشأنها : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 34 - 37 ] ثم إن قدرت على سعي ما مثل الشفاعة فلا تقبل منها وإن زادت عليها بأن يضم معها العدل فلا يؤخذ منها فإن حاولت الخلاص بالقهر والغلبة فلا يمكن منه والترقي من السعي إلى السعي .